البلوغ المبكر وخطر الإيذاء الذاتي

الوصول إلى مرحلة البلوغ يعني أن الطفل أصبح مسؤولاً عن أفعاله بشكل أكبر. ورغم النمو الفعلي والفسيولوجي للمخ في هذه المرحلة، فإن الوصول إلى البلوغ في وقت مبكر ربما يحمل مخاطر إيذاء النفس، تبعاً لأحدث دراسة بريطانية ناقشت هذا الموضوع ونشرت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في مجلة «علم الوبائيات والعلوم النفسية (the journal Epidemiology and Psychiatric Sciences)».
– إيذاء ذاتي
أرجع الباحثون الإيذاء الذاتي إلى الضغوط المبكرة التي تحملها فترة البلوغ بتغيراتها الفسيولوجية والنفسية على الطفل. وكلما كان الوصول إلى البلوغ في عمر مبكر؛ زادت حدة تلك الضغوط على الأطفال ودفعتهم إلى تصرفات خاطئة يمكن أن تؤدي إلى إيذائهم على المستويين النفسي والجسدي.
أوضح الباحثون في «جامعة بريستول (University of Bristol)» أن هدف إجراء الدراسة كان رصد نسب الزيادة في حالات إيذاء النفس بين الأطفال في بداية فترة المراهقة، ومحاولة فهم أسبابها لدى الفتيات والذكور على حد سواء، حيث اهتم كثير من الدراسات السابقة بالفتيات فقط. وبالطبع؛ فإن رصد البلوغ لدى الذكور ربما يكون أصعب منه لدى الفتيات؛ حيث تعدّ بداية الدورة الشهرية (menarche) علامة أكيدة على البلوغ على المستويين الجسدي والنفسي للفتيات؛ على العكس من الفتيان، خصوصاً الذين يمتلكون جسداً نحيلاً؛ حيث يمكن أن تتأخر العلامات الثانوية الخارجية للبلوغ، مثل ظهور الشارب أو اللحية، رغم أن البلوغ يكون قد بدأ بالفعل؛ وهو الأمر الذي يضع ضغوطاً نفسية على بعض المراهقين الذكور.
– ضغوط نفسية
أكد الباحثون أن كثيراً من الأمور يمكن أن تتداخل وتؤدي إلى إيذاء النفس؛ ومنها الهرمونية والفسيولوجية ونمو المخ. ولكن يظل أهم العوامل في إيذاء النفس هو الضغط النفسي والاجتماعي الذي يعاني منه المراهق ويختلف بطبيعة الحال باختلاف البيئة والظروف المحيطة، وتزيد نسبة حدوثه مع تعرض المراهق للتنمر سواء الفعلي بين الأقران؛ والإلكتروني، والمعاملة السيئة من الأسرة، والتعرض للاعتداء الجسدي من الأهل، وتعاطي المواد المخدرة وإدمان الكحوليات؛ وأيضاً التعرض للاعتداءات الجنسية؛ خصوصاً الفتيات. وتتفاقم المشكلة إذا كان المعتدي من دائرة المراهق المقربة أو من أفراد أسرته.
قام الباحثون بفحص بيانات 5000 من المراهقين من الذكور والإناث، وتبين أن المراهق الذي يصل إلى البلوغ بشكل مبكر في الأغلب يقوم بإيذاء نفسه في عمر 16 عاماً. وبالنسبة للفتيات؛ يمكن أن تستمر خطورة الإيذاء الذاتي حتى بعد الوصول إلى مرحلة الشباب. وحدد الباحثون قياس البلوغ المبكر بأنه العمر الذي تحدث فيه ذروة الطول، أو ما تسمى طفرة النمو. ويستمر الطول بمعدل عادي متدرج على مدار سنوات الطفولة؛ ولكن عند بداية المراهقة يحدث النمو بشكل سريع جداً. وكان العمر محدداً عند عمر 13.5 لدى الذكور و11.5 لدى الفتيات.
وقام الباحثون أيضاً بفحص استبيانات قام الأفراد بالإجابة عنها في عمر 16 عاماً و21 عاماً حول التفكير في إيذاء النفس أو الإقدام عليه. وكانت النتيجة أنه عند 16 عاماً بلغت نسبة الذكور الذين أقدموا على ايذاء أنفسهم 10 في المائة، بينما بلغت النسبة لدى الفتيات 25 في المائة. وفي عمر 21 عاماً الذي يعدّ سن النضج، كانت نسبة الذكور 28 في المائة، والفتيات 35 في المائة، وهو ما يعني أن المشكلات النفسية في بداية البلوغ يمكن أن ترافق الشخص حتى في مرحلة الشباب.
وقد وجد الباحثون أن الوصول إلى ذروة الطول (البلوغ المبكر) ارتبط بزيادة احتمالات الايذاء بنسبة 15 في المائة لدى الفتيات على الطبيعي في عمر 16 عاماً، بينما كانت نسبة زيادة الخطورة لدى الذكور هي 28 في المائة. ويتضح أن النسبة لدى الذكور أعلى حتى لو كانت النسبة الكلية أقل من أقرانهم. وفي المقابل؛ كانت النسب أقل لدى الذكور والإناث الذين حدث لهم البلوغ متأخراً عن الطبيعي.
– دوافع مختلفة
وتختلف دوافع ارتباط البلوغ المبكر بإيذاء النفس باختلاف الجنس. ولدى الفتيات يكون إيذاء النفس نابعاً من ظهور العلامات الجنسية على الطفلة بشكل مبكر من دون استعداد نفسي كاف، وتحول جسدها إلى فتاة ناضجة وما يتبعه من تحرشات سواء لفظية أو حتى مجرد النظر. وأيضا تمثل «صورة الجسد (body image)» بالنسبة للفتاة ضغطاً نفسياً؛ سواء بالامتلاء الزائد أو النحافة أو تشوهات القوام. وبالنسبة للذكور تمثل فكرة الاستقلالية والتصرف بوصفهم بالغين ضغطاً نفسياً على الأطفال الذكور من دون وجود استعداد عاطفي واكتساب خبرات كافية.
أوضح الباحثون أنه من الضروري نصح المراهقين بتقبل أجسادهم بصفتها جزءاً من النمو الطبيعي، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم بحرية للآباء، وعدم السخرية والاستهانة بالقلق حيال الجسد، والتصرف تبعاً لما يشعرون به؛ وليس المفروض عليهم من قبل المجتمع.
وهذا يعني أن الطفل الذكر ليس عليه أن يتحمل مسؤوليات معينة لمجرد تغير شكله الظاهري، وأن النضج يأتي بالتدريج، ومن العادي ارتكاب أخطاء في أي مرحلة عمرية، أو الرغبة في اللهو واللعب. وكذلك الفتيات يتعين على الأمهات نصحهن بتقبل الجسد من دون الوضع في الحسبان المعايير الاجتماعية المختلفة أو الصورة المثالية للجسد كما تصورها وسائل الإعلام، وأيضاً فتح قنوات حوار بين الأمهات والمراهقات بحيث يمكن للفتاة أن تصرح لوالدتها في حال حدوث تحرش أو اعتداء جنسي، وإيضاح أن إيذاء النفس لا يحل المشكلات النفسية؛ بل يعمقها، وكذلك أن اللجوء إلى المواد المخدرة يدخل المراهق في دائرة مفرغة من المشكلات.
– استشاري طب الأطفال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق