«كورونا المستجد»… تساؤلات حول إصاباته القاتلة واحتمالات عودته

بالنسبة لعلماء الأوبئة فإن السؤال الأكثر أهمية الذي لم تتم الإجابة عليه حول فيروس كوفيد COVID – 19. هو نسبة الوفيات. أما بالنسبة لأفراد الجمهور فهناك العديد من الأسئلة المهمة، ومنها: كيف نعرف خطر الموت عند الإصابة بالمرض؟ وهل أن المتعافي من المرض سيكون محصنا فيما لو أصيب ثانية؟ وقد نشرت أول دراسة كبيرة حول ذلك من قبل المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها. ورغم أنه يجب اعتبار الأرقام الواردة فيها أولية (وربما خاصة بالصين فقط)، إلا أنها تتيح لنا البدء في فهم المخاطر التي يواجهها مجتمعنا العالمي.
– الوفيات وأسبابها
> معدلات الوفيات. بعد تحليل 44672 حالة مؤكدة، قدر مسؤولو الصحة الصينيون معدلات الوفيات حسب الفئة العمرية.
– من بين 416 طفلاً تراوحت أعمارهم بين 0 و9 سنوات أصيبوا بكوفيد 19 لم تسجل أي حالة وفاة، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لمعظم الأمراض المعدية، وكان الأمر كذلك بالنسبة لفيروس «سارس» التاجي الذي أظهر تأثيرا طفيفا على الأطفال.
– أما بالنسبة للمرضى الذين تراوحت أعمارهم بين 10 و39 عاماً فبلغ معدل الوفيات 0.2 في المائة.
– وتضاعف معدل الوفيات للأشخاص في الأربعينيات من عمرهم ليصل لحوالي 1 بالمائة.
– ثم ارتفع مرة أخرى للأشخاص في الخمسينات من العمر إلى 2 بالمائة.
– وتضاعف مرة أخرى للأشخاص في الستينيات ليصل إلى 4 بالمائة.
– أما في السبعينيات فارتفع معدل الوفيات إلى 8 في المائة.
– وفي الثمانينيات وصلت نسبة الوفيات إلى 15 في المائة.
ووفقاً لإحصائيات بريطانية، بلغت نسبة الوفيات بسبب فيروس «كورونا المستجد» حتى مساء يوم الأحد 29 مارس (آذار) الماضي 4.7%، حيث توفي 32137 شخصاً من أصل 685 ألفاً و623 شخصاً ثبتت إصابتهم بـ«كوفيد – 19» حول العالم، كما ذكرت صحيفة «الفاينانشيال تايمز» في مقال بعنوان «سر معدل الوفيات للفيروس التاجي». وهذه نسبه عالية مقارنةً بمعدل الوفيات للإنفلونزا الموسمية التي تبلغ نحو 0.1%.
إلا أن نسبة الوفيات تختلف اختلافاً كبيراً من بلد إلى آخر، فقد أوضح مايك رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية لمنظمة الصحة العالمية، وجود أربعة عوامل قد تساهم في اختلاف معدل الوفيات هي: مَن الذي يصاب بالعدوى؟ وما المرحلة التي وصل إليها الوباء في البلد، ومدى الاختبارات التي يجريها البلد، وكيف تتكيف أنظمة الرعاية الصحية المختلفة؟ فمثلاً قدّر باحثون في جامعة هونغ كونغ أن معدل الوفيات المحتمل في مدينة ووهان الصينية، حيث بدأ الوباء، كان 1.4% –أي أقل بكثير من التقدير السابق البالغ 4.5%. وفي المملكة المتحدة بلغ معدل الوفيات 6.2% لأنه تم فقط اختبار الحالات الأكثر خطورة.
> أعمار المصابين. يعتمد الكثير من النتائج على من الذين سيصابون بالعدوى، وكم أعمارهم، وما إذا كانت لديهم حالات صحية، أي مرضية؛ فمن المعروف أن كبار السن هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض والموت، لكن منظمة الصحة العالمية حذّرت الشباب من الأعمار المختلفة وقالت إنهم «ليسوا منيعين» ويجب أن يأخذوا الفيروس على محمل الجد. وقد سجلت إيطاليا أعلى معدل وفيات، نحو 10.8%، وبلغ متوسط عمر الإيطاليين الذين ثبتت إصابتهم المؤكدة 62 سنة، والغالبية العظمى من الذين تُوفوا كانوا في عمر 60 سنة وأكثر. وفي كوريا الجنوبية، التي يقل عدد سكانها عن إيطاليا، بلغت نسبة الوفيات 1.6% وكان نحو ثلث الحالات المؤكدة في الأشخاص الذين تراوحت أعمارهم بين 30 عاماً أو أقل. أما في ألمانيا وبناءً على البيانات المتاحة، فقد بلغ معدل الوفيات نحو 0.8%، وحدثت غالبية الإصابات في الأشخاص الذين تراوحت أعمارهم بين 15 و59 عاماً.
> أسباب الوفيات. يمكن أن يكون الفيروس مميتاً بعدة بطرق، إذ أن العدوى الفيروسية في الرئتين تؤدي إلى حدوث استجابة (ردة فعل) مناعية قوية من الجسم لدرجة أنها تسبب إتلاف الرئتين. وفي حالات أخرى، يمكن أن تتسبب الاستجابة المناعية الشاملة المسماة «عاصفة السياتوكين»cytokine storm، في فشل العديد من أعضاء الجسم. وهذا يمكن أن يفسر سبب وفاة بعض الشباب الأصحاء بسبب الفيروس، مثل الدكتور لي ون ليانغ، الطبيب الصيني البالغ من العمر 34 عاماً الذي توفي بعد فترة وجيزة من تنبيه العالم إلى هذه السلالة الجديدة من الفيروس التاجي. كما قد لا يتمكن الجهاز المناعي لكبار السن من محاربة فيروس الجهاز التنفسي، ولذا يمكن أن تؤدي الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري إلى تفاقم النتائج.
> اختلافات دولية. تعتبر الإحصاءات التي ذكرت حول نسب الوفيات أرقاما مخيفة بلا شك. ولكن هناك على الأقل ثلاثة عوامل رئيسية تخفف من هول المخاوف وهي:
– أولا عدد الحالات الخفيفة أو عديمة الأعراض غير معروف وربما يكون كبيرا.
– ثانياً، لا تزال الرعاية الصحية في الصين ليست بمستوى الدول المتقدمة الأخرى. وحين تفشى المرض في مقاطعة هوبي كانت نسبة الوفيات عالية مقارنة بالمقاطعات الأخرى خارج هوبي حيث لا تعاني المستشفيات فيها من كثرة الحالات.
– وثالثا التدخين منتشر في الصين خاصة بين الرجال إذ تبلغ النسبة 52 في المائة في الصين مقابل 16 في المائة في الولايات المتحدة. والتدخين عامل خطر لردود الفعل السيئة للعدوى التنفسية. وهذا يعني أن معدل الوفيات من المحتمل أن يكون مبالغاً فيه وسيكون من الخطأ تطبيق هذه الأرقام على الولايات المتحدة أو الدول المتقدمة الأخرى.
— كورونا والأنفلونزا
السؤال الحقيقي إذن هو مدى حقيقة تضخم معدل الوفيات. في هذه المرحلة، من المستحيل تحديد ذلك، لأن العلماء ما زالوا يجمعون بيانات حول مدى انتشار الفيروس. ولكن لفهم مدى المبالغة في هذه الأرقام، من المفيد فحص معدل الوفيات للأنفلونزا الموسمية. بالنسبة لموسم الأنفلونزا 2018 – 2019. يقدم المركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية منها تقديرات لعدد الحالات المحددة هنا باسم الأمراض المصحوبة بالأعراض والوفيات. من هذه، يمكننا استخلاص تقديرات معدل الوفيات حسب الفئة العمرية.
وقد كتب الدكتور أنتوني فوسي رئيس معهد الحساسية والأمراض المعدية NIAID الأميركي في افتتاحية لـمجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن» قال فيها: «إذا افترض المرء أن عدد الحالات غير المصحوبة بأعراض، أو أعراض بسيطة، يصل إلى عدة أضعاف ارتفاع عدد الحالات المبلغ عنها، فقد يكون معدل الوفيات أقل بكثير من 1 في المائة. وهو ما يشير إلى أن العواقب السريرية الشاملة لكوفيد 19 قد تكون في نهاية المطاف أكثر تشابهاً مع تلك الناجمة عن الأنفلونزا الموسمية الشديدة التي يبلغ معدل الوفيات فيها 0.1 في المائة تقريباً أو أنفلونزا جائحة مماثلة لتلك التي حدثت في عام 1968 وسميت جائحة أنفلونزا هونغ كونغ التي أسفرت عن وفاة ما بين مليون إلى أربعة ملايين وهو أقل بكثير من جائحة 1918 – 1919 التي تسببت فيما بين 25 و50 مليون حالة وفاة.
— مستقبل «كوفيد 19»
تصف وكالة «ستات» للأخبار الطبية stat news سيناريوهين محتملين يتصورهما علماء الأوبئة لمستقبل كوفيد 19.
– السيناريو الأول. يصبح كوفيد 19 مجرد فيروس زكام عادي وربما يتطور ليصبح أقل فتكاً أيضاً وهو ما نسميه «نزلات البرد» التي تنتج عن 200 فيروس مختلف تقريباً كل عام، حيث إن 25 في المائة من نزلات البرد الشائعة هي بسبب أربعة فيروسات تاجية، ويعتقد بعض العلماء أن كوفيد 19 يمكن أن ينضم في نهاية المطاف إلى هذه المجموعة كعضو خامس.
– أما في السيناريو الثاني فإن كوفيد 19 يتصرف بشكل أشبه بالأنفلونزا الموسمية الحادة، وسوف يختفي في الصيف ليعود بشدة مرة أخرى في الشتاء.
وفي كلتا الحالتين لا يشبه كوفيد 19 الأنفلونزا الإسبانية لعام 1918 التي قتلت الشباب بشكل غير متناسب. ولا يتحول الفيروس ليصبح أكثر فتكاً بل على الأرجح سيكون العكس صحيحاً. فهناك علاقة عكسية بين الفتك والعدوى، أي أن أكثر الفيروسات المعدية تميل إلى أن تكون أقل فتكاً. وقد تدفع الضغوط التطورية أي الضرورة البيولوجية للتكاثر على أوسع نطاق ممكن بكوفيد 19 في هذا المسار وهو ما يعني عدم قتله للإنسان.
حتى الآن لا تزال الأنفلونزا تشكل أكبر تهديد عالمي كبير للصحة العامة. في كل عام، يصاب حوالي مليار شخص بالأنفلونزا الموسمية مما يودي بحياة حوالي 300 إلى 500 ألف شخص. وفي هذا الموسم وحده 2019 – 2020 توفي حوالي 20 ألف أميركي من الأنفلونزا بما في ذلك 136 طفلاً. لكن قلة قليلة من الناس تخشى الأنفلونزا فقد قبلها المجتمع كجزء من الواقع ويواصل الناس حياتهم اليومية دون القلق المفرط من الأنفلونزا. وهذا هو المستقبل المحتمل لـكوفيد 19. حتى ذلك الحين ربما يجب إعطاء الكلمة الأخيرة إلى عالمة الفيروسات الدكتورة ليزا جرالينسكي من جامعة نورث كارولينا في الولايات المتحدة التي أخبرت العالم «إذا كان عمرك أكثر من خمسين أو ستين ولديك بعض المشاكل الصحية الأخرى وإذا كنت غير محظوظ بما يكفي للتعرض لهذا الفيروس، يمكن أن يكون سيئا للغاية».
– هل يمكنك التقاط الفيروس التاجي مرتين؟
> السؤال الذي يراود الكثير من الناس هو: إذا أصبت بكوفيد 19 وتعافيت – هل أنا الآن محصن مدى الحياة، أم أنه سيتمكن من الإمساك بي مرة أخرى؟ نحن لا نعرف حتى الآن لكن هذا لا يعني بالضرورة الحصانة طويلة المدى. هناك فيروسات تاجية أخرى تنتشر بين البشر ورغم أنها تحفز المناعة، إلا أن هذا لا يدوم.
يقول بيتر أوبينشو من جامعة إمبريال كوليدج في لندن: «تميل بعض الفيروسات الأخرى في عائلة الفيروسات التاجية، مثل تلك التي تسبب نزلات البرد، إلى إحداث مناعة قصيرة العمر نسبياً، في حوالي ثلاثة أشهر. ونظراً لأن فيروس كوفيد 19 جديد للغاية، فإننا لا نعرف حتى الآن إلى متى ستستمر أي حماية ناتجة عن العدوى. نحن بحاجة ماسة إلى مزيد من البحث للنظر في الاستجابات المناعية للأشخاص الذين تعافوا من العدوى للتأكد. أما بالنسبة للعدوى بالفيروسات التاجية العادية فلا يحصل المتعافي من المرض على مناعة دائمة. إذ يمكن أن تكون مصاباً مراراً وتكراراً، ولا نعلم حقاً عن هذه الفيروسات التاجية الجديدة إذا كان ذلك صحيحاً أيضاً».
أما اختصاصيو الأمراض المعدية الآخرون فكانوا أكثر تفاؤلاً حيث يقولون «إن الدلائل مقنعة بشكل متزايد على أن الإصابة بفيروس كوفيد 19 تؤدي إلى استجابة، وذلك بظهور الأجسام المضادة الواقية». ويقول مارتن هيبرد في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: «من المرجح أن هذه الحماية هي لمدى الحياة رغم أننا نحتاج إلى مزيد من الأدلة للتأكد من ذلك، فمن غير المرجح أن يصاب الأشخاص الذين تعافوا، من الإصابة بالمرض مرة أخرى». وتتفق معه كارا روجرز محررة دائرة المعارف البريطانية وتقول إن الأشخاص الذين تعرضوا لفيروس الأنفلونزا عام 1957 احتفظوا بحماية مناعية ضد فيروس 1968. وهذا يفسر اعتدال تفشي عام 1968 نسبة إلى وباء عام 1918 – 1919.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق